الشيخ محمد رشيد رضا

296

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يشترط فيهم شروط ما انزل اللّه بها من سلطان ، وانما الشرط الذي لا بد منه ، ولا غنى عنه ، هو معرفة لغة القرآن مفرداتها وأساليبها فهي التي يجب على من دخل في الاسلام ومن نشأ فيه ان يتقنها بقدر استطاعته بمزاولة كلام بلغاء أهلها ومحاكاتهم في القول والكتابة حتى تصير ملكة وذوقا ، لا بمجرد النظر في قوانين النحو والبيان التي وضعت لضبطها . وليس تعلم هذه اللغة ولا غيرها من اللغات بالامر العسير فقد كان الأعاجم في القرون الأولى يحذقونها في زمن قريب حتى يزاحموا الخلص من أهلها في بلاغتها . وانما يراه أهل هذه الاعصار عسيرا لأنهم شغلوا عن اللغة نفسها بتلك القوانين وفلسفتها ، فمثلهم كمثل من يتعلم علم النبات من غير أن يعرف النبات نفسه بالمشاهدة فلا يكون حظه منه الا حفظ القواعد والمسائل فيعرف ان الفصيلة الفلانية تشتمل على كذا وكذا ، وإذا رأى ذلك لا يعرفه وفيه أيضا وجوب الاستقلال في فهم القرآن لان التدبر لا يتم إلا بذلك . ويلزم من ذلك بطلان التقليد . قال الرازي دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال وعلى القول بفساد التقليد لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته وإذا كان لا بد في صحة نبوته من استدلال فبأن يحتاج في معرفته ذات اللّه وصفاته إلى الاستدلال كان أولى » اه الامر كما قال الرازي وأكبر مما قال : التقليد منع من الاستدلال والاستدلال واجب ، التقليد منع من تدبر القرآن للاهتداء به وتدبره واجب ، ان اللّه تعالى هو الذي أمرنا بتدبر كتابه ، وبالاستدلال به ، فلا يملك أحد من خلقه ان يحرم علينا ما أوجبه ، الأئمة المجتهدون اجمعوا على وجوب الاهتداء بالقرآن وعلى المنع من التقليد الذي يصد عنه ويقتضي هجره ، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين يطاعون ، وانما كانوا أدلاء للناس لعلهم يهتدون ، ما قال بوجوب التقليد وتحريم الاستقلال الا بعض المقلدين الذين يعترفون بأنه ليس لهم قول يتبع ولا أمر يطاع ، وكان ذلك دسيسة من الملوك والامراء المستبدين ، ليذللوا الناس ويستبعدوهم باسم الدين ، وكذلك كان . وقد علمت أن قبول الاستبداد واتباع القرآن ، ضدان لا يجتمعان ، وما نبغ عالم من العلماء الذين نشئوا على التقليد الا وحاربه بعد نبوغه كالامام الرازي الذي نقلنا